الشيخ الأميني
259
الغدير
وكان في مقدم المهاجرين ما يناهز ستين رجلا ، فلم يبق في مكة المعظمة من أسلم معه صلى الله عليه وآله إلا أمير المؤمنين وأبو بكر وكأن المدينة ليست بدار بني النجار وهم خؤولة النبي الأقدس . وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الذي اتخذ المدينة قاعدة ملكه ، وعاصمة حكومته ، ومعسكر نهضته ، فبث فيها رجاله وخاصته من أهلها ومن المهاجرين فكانوا يرقبون مقدمه الشريف في كل حين حتى ، إذا وافوه مقبلا عليهم استقبلوه بقضهم وقضيضهم وفيهم أهل البيعتين ومن تقدمه من المهاجرين وكلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم ، وإنه صلى الله عليه وآله مكث في قباء عند بني عمرو بن عوف أياما وليالي حتى أسس مسجده الشريف فيها ، فعرفه كل من في قباء ممن لم يكن يعرفه قبل من رجال الأوس والخزرج ، واتصل به كل من قدمها من المدينة فعرفوه جميعا ، وقد صلى الجمعة في قباء وفي بطن الوادي وادي رانونا وائتم به من حضر المسلمين عامة . وبقضاء من الطبيعة أن الناس عند التطلع إلى رؤيته صلى الله عليه وآله كان يومي إليه كل عارف ، ويسأل عنه كل جاهل ، ويتقدم المبايعون إلى التعرف به والتزلف إليه ، فلا يبقى في المجتمع جاهل به حتى يسأل أبا بكر عنه في انتقاله من بني عمرو وبقوله : من هذا الغلام بين يديك يا أبا بكر ؟ ! فكأن القادم رجل عادي ما دوخ صيته الأقطار ، ولم يره بشر من ذلك الجمع الحافل ، ولم يحتفل به ذلك الاحتفال ، ولا احتفى به تلك الحفاوة ، وما صعدت ذوات الخدور على الاجاجير ( 1 ) وما هزجت الصبيان والولائد بقولهن . طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داعي أيها المبعوث فينا * جئت بالأمر المطاع وكأنه قدم في صورة منكرة بلا أي تقدمة إلى بلد لا يعرفه فيه أحد حتى خص السؤال عنه بأبي بكر فحسب . ثم ما هذه التعمية في جواب أبي بكر بقوله : إنه يهديني السبيل يريد سبيل
--> ( 1 ) جمع الإجار بكسر الأول وتشديد الجيم : السطح .